اعتراف الأب

تجلس. تنتظر.

أبوك يأخذ نفساً طويلاً من جهاز الأكسجين. يسعل مرتين. ثم يبدأ بصوت خفيض رتيب، كأنه يحكي قصة حدثت لشخص آخر:

"قبل ثمان أشهر... أمك جات لي وقالت: سارة بتتزوج. فرحت. أول مرة أفرح من زمان. قلت الحمد لله. قلت خلاص واحدة من عيالي بتكون بخير." يسكت. "بعدين بدأت أسأل. العريس منهو؟ وش يشتغل؟ أهله منهم؟ أمك كانت تقول: عادي، ولد ناس، محترم. لكن أنا—" يضرب صدره بقبضة ضعيفة. "أنا ما أثق بسهولة. خصوصاً بعد... بعد اللي صار معك."

الكلمة الأخيرة تنزل عليك كحجر. بعد اللي صار معك. يقصد الفضيحة. الأموال. الهروب. كل شيء.

يكمل: "سألت ناس أعرفهم. بحثت. ولقيت شيء." عيناه تضيقان. "وليد سعيد العمري — اسمه الكامل — عليه قضية نصب مالي. ثلاث عائلات خسرت كل شيء. بنت من الضحايا — عمرها أربعة وعشرين سنة — حاولت تنتحر."

تشعر بالدم يبرد في عروقك.

"القضية أُسقطت. واسطة من عائلته. الملف اتمسح. بس المعلومة موجودة عند اللي يعرف وين يدوّر." يسعل مرة أخرى — أطول وأقسى. تمدّ يدك نحوه لكنه يرفعها بعيداً.

"قلت لأمك. تعرف وش قالت؟" صوته يرتفع للحظة ثم يسقط. "قالت: سارة كبرت. سارة تعرف مصلحتها. لا تخرّب فرحتها بقصص قديمة." يضحك ضحكة مريرة مخنوقة. "قصص قديمة. بنت كادت تموت وهي تسمّيها قصص قديمة."

يمسك يدك فجأة. قبضته ضعيفة لكن فيها يأس:

"أنا ما أقدر أنزل. جسمي ما يتحمّل. بعثت لك رسالة من تلفوني القديم عشان تجي. أنت الوحيد اللي يقدر يوقف هالشيء."

أنت تنظر إلى أبيك. الرجل الذي لم يطلب منك شيئاً في حياته. الرجل الذي دفع ثمن أخطائك بصمت. الآن يطلب منك أن تكون الشخص الذي هربت من أن تكونه.

الموسيقى من الأسفل تعلو.